النقد الأدبيّ
النقد الأدبيّ:
هو تمييز جيّد القطعة الأدبيّة مِن رديئها و فصل محاسنها مِن عيوبها أو بعبارة أخری : الكشف عن جوانب النُضج الفني في النتاج الأدبيّ و تمييزه عن غيره عن طريق الشرح و التفسير و التعليل ثُمَّ الحكم عليه بشكلٍ عام .
غاية النقد الأدبيّ :
هي تقويم العمل الأدبيّ فنّياً و موضوعياً و تعيين مكانة العمل الأدبيّ في خطّ سير الأدب و تحديد مدی تأثّر العمل الأدبيّ بالمحيط و مدی تأثيره فيه، و إبراز خصائص الكاتب مِن خلال أعماله و مكوّنات شخصيته مِن الناحية الشعورية و النفسية التي أسهمت في خلق تلك الأعمال .
مناهج النقد الأدبيّ :
1- المنهج الفني: دراسة النتاج الأدبيّ مِن حيث هو فنّ، و بيان مواضع الحسن و القُبح فيه بغضّ النظر عن الكاتب و بيئته و الظروف و العوامل التي أحاطت بكتابته. و يعتمد علی التأثّر الذاتي للناقد و ذوقه و قواعد و أصول النقد الموضوعية .
2- المنهج التاريخيّ : دراسة النص الأدبيّ علی ضوء بيئة الكاتب و الظروف التي عاش فيها و الملابسات التاريخيّة و الاجتماعية و خصائص العصر الذي عاش فيه .
3- المنهج النفسي : دراسة النص الأدبيّ مِن حيث الدوافع الباطنية للكاتب و مدی مطابقة النص لخصائص الكاتب النفسية و الشعورية و كذالك مدی تأثيره علی القرّاء و تأثّرهم به. و يقرّر هذا المنهج أنّ نفس الكاتب هي مصدر الأثر الأدبيّ .
4- المنهج الاجتماعي :دراسة النص الأدبيّ باعتبار أهدافه و ليس وسائله .
5- المنهج البنيائي : دراسة العلاقات بين مكوّنات النص الأدبيّ و أجزائه التي تتكوّن مِنها بنيته و تحديد دلالات تلك العلاقات فالمنهج البنيائي ينظر إلی التحولات الداخلية في النص و إلی تنظيمه الداخلي ليكوّن بعد ذلك نظرة كلّية .
نشأة النقد الأدبيّ عند العرب :
الشعر هو ديوان العرب و سجلّ ملاحمهم و أفراحهم و أتراحهم و عاداتهم و عقائدهم و أساليب تفكيرهم و قد يكون النثر كذلك ، لكنّ ما وصلنا مِن النثر قليل متفرّق في موضوعات قليلة قياساً إلی الشعر .
النقد الأدبيّ في الجاهليّة :
كان النقد في الجاهليّة موافقاً للأدب الذي كان الشعرُ المظهرَ المهمَّ و البارز له و الذي كانت تقام له مجالس عامة و خاصة و أسواق أدبية كسوق عكاظ و كان الشعراء يلقون حفاوة في بلاط الغساسنة و المناذرة و قد كان النقد حاضراً في كل تلك الأماكن . كانت ملكة النقد آنذاك مبنية علی ذوق فطري يصدر أحكاماً عامة غير معلّلة بعد ملاحظة الجزئيات ، فقد يصدر حكماً علی قصيدة أو علی شاعرٍ بأنّه أشعر الناس أو أشعر الإنس و الجنّ إذا استساغ بيتاً أو شطراً مِن بيتٍ.
و هناك بعض القصائد التي حملت ألقاباً نقدية مِنها اليتيمة ( قصيدة سويد بن أبي كاهل ) و البتّارة ( إحدی قصائد حسّان بن ثابت ) و المعلّقات و غيرها . و هكذا نری أنّ النقد في الجاهليّة كان بدائياً يُصدر أحكاماً عاطفية انفعالية لا تقوم علی قواعد واضحة و لا ترافقها علل أو حجج و هي تعتمد الظاهر فقط و لم تتجاوز الذوق و الفطرة . و كان النقد الأدبيّ الجاهليّ ينوّه بمكانة الشعراء إمّا بالمقارنة النسبية إذا قوبل الشاعر ببعض زملائه ففضّل عليهم كما فضّل النابغةُ الأعشی علی الخنساءِ و الخنساءَ علی حسّان و إمّا بالتفضيل المطلق علی جميع الناس .
النقد في صدر الإسلام :
أحدث الإسلام و القرآن بشكل خاص نقلة نوعية في الأدب العربيّ و مفاهيمه الجاهليّة و أدّی إلی أن تضعف كثير مِن الأغراض الشعريّة التي كانت في الجاهليّة أو كادت تختفي . فكان لموقف الرسول (ص) مِن الشعر أبلغ أثر في ذلك فهو (ص) يری أن الحق و الصدق هما المقياس للحكم علی الشعر . و قد سار الخلفاء الراشدون علی نهج الرسول ( ص ) . و الواقع أنّ الإسلام لم يحارب الشعر بل حارب كل المفاهيم و القيم التي كانت شائعة في الجاهليّة و شجّع الإسلام علی قول الشعر في الأُطُر الإسلاميّة ممّا أدّی إلی نشوء ما يُعرَف بالأدب الملتزم .
و موقف الصحابه مِن الشعر كان التوجيه و الإرشاد إلی الظريق المستقيم و الابتعاد عن قول الباطل و ما لا فائدة فيه . و مواقف بعض شعراء صدر الإسلام النقدية و المفاضلة بين الشعراء كانت امتداداً للنظرة الجاهليّة للنقد في إصدار أحكام غير معلّلة و كلّية بدون تفصيل فبقي هذا النقد معتمداً علی الإحساس الفطري .
النقد الأدبيّ في العصر الأمويّ :
يمكن تقسيمه إلی ثلاثة أقسام :
1- نقد الحجاز : شاعت مظاهر الترف في الحجاز و زاد التحلّل و التفسّخ الخلقي و ظهر الشعر الإباحي فابتعد شعر الحجاز عن الفخر و الحماسة وسَيْطَرَ شعر الغزل علی معظم الشعر الحجازي و كانت هناك مدرستان في الغزل :
1- المدرسة الإباحية التي كان رائدها عمر بن أبي ربيعة 2- مدرسة الغزل العفيف التي مِن شعرائها المشهورين جميل بثينة ، كثيّر عزّة و قيس ليلي و ... .
معظم الشعراء كان لهم حظّ وافر في النقد إضافة لنقّاد غير الشعراء . و كانت هناك مفاضلة بين الشعراء و الأحكام النقدية التي تصدر كانت نوعَيْن : 1- الأحكام العامة غير المعلّلة التي تشبه أحكام العصر الجاهليّ النقدية مع اختلاف المصطلحات مثل : أشعر أهل الإسلام و ... .
2- أحكام أخصّ فيها بعض التعليل كالحكم لشاعر أنّه زعيم الغزل أو المدح و ... .
2- نقد العراق : كان العراق ندّاً للشام . فكما أنّ الشام كانت مركز حكم الأمويّين ،كذلك كان العراق مركز المناهضين لهم مِن الشيعة و الخوارج لذا كان الطابع السياسيّ السمةَ البارزة في شعر العراق. أنواع شعر العراق ثلاثة : الف : شعر الخوارج الذي يتميّز بالقوة و الشجاعة و الاستخفاف بالموت ابتغاء مرضاة ا... . ب: الأدب الشيعي الذي تميّز بالحب لآل البيت ( ع ) و السخط علی الأمويّين و هو شعر يعبّر عن روح الإسلام و يوافق نظرته إلی الأدب كوسيلة إلی معرفة الحق و الدفاع عنه . ج : الشعرُ القبليُّ النزعةِ الذي يمثّله الثالوث الأمويّ (جرير و الفرزدق و الأخطل ) .
في البصرة و الكوفة نشطت حركة عقلية تمثّلت بدراسة العلوم الإسلاميّة و اللغوية و حركة أدبية تمثّلت برواية الآداب الجاهليّة و تدوينها و ظهور الأسواق الأدبيّة كسوق المربد في البصرة و الكناسة في الكوفة. نشط النقد في العراق و عقدت له المجالس العامة و الخاصة و اشترك فيه كل مَن له اهتمام بالأدب مِن الخلفاء و الأمراء حتی العامة . و كان الطابع العام لنقد العراق هو المفاضلة بين الشعراء عامة و بين المثلث الأمويّ ( جرير و الفرزدق و الأخطل ) خاصة . و كانت الأحكام الصادرة بعضها معلّل و بعضها غير معلّل . أشهر النقاد في نهاية العصر الأمويّ يحيی بن يعمر البصري و عنسة الفيل و أبو عمرو بن العلاء .
3- نقد الشام : المدح هو الطابع الغالب علی شعر الشام . و شعراء الشام كانوا أقلّ مستویً مِن شعراء العراق . كان النقد في الشام في مجمله نقداً فطرياً يعتمد علی الذوق و يبتعد عن النقد العلمي في العراق و أشهر النقاد في الشام هم الخلفاء . و كانت هناك المفاضلة بين الشعراء ، حيثُ جعلوا « الأخطل » أشعر العرب و شاعر بني أمية .
النقد الأدبيّ في العصر العباسيّ :
نشطت حركة النقل عن علوم اليونان و فارس و الهند في هذا العصر و بدأ تدوين أكثر العلوم الإسلاميّة و اللغوية و تحوّل الشعر و الأدب إلی صناعة بعد أن كانا يصدران عن طبع و سليقة و كثر الشعراء و الأدباء و العلماء مِن غير العرب ( الموالي ) فتأثّر الذوق الفطري بالثقافات الأجنبية و تحول تدريجياً إلی ذوق علمي له حيّز في النقد . أبرز العلماء و الرواة الذين ساهموا في جمع التراث اللغوي و الأدبيّ هم : قتادة بن دعامة و أبو عمرو بن العلاء و أبو عبيدة و الأصمعي . و أبرز رواة الشعر هم : حمّاد الرواية و المفضّل الضبّي و خلف الأحمر و أبو عمرو الشيباني . و قامت حركة النقد الأدبيّ علی عاتق اللغويين و النحاة و الرواة الذين تفرّغوا لجمع الشعر و تدوينه و تنقيحه و نقده و اتخذوه صناعة. و كان للنقد الأدبيّ في هذا العصر اتجاهان : الأول كان امتداداً للنقد الجاهليّ و الإسلاميّ غير المعلّل مع بعض التطوّر و الثاني تمثّل في وضع كتب خاصة بالنقد و ما يتّصل به و بيان علل تقديم شاعر علی آخر. ظهر في العصر العباسيّ فريقان مِن النقاد : فريق يناصر الشعر القديم و لا يستسيغ غيره كابن الأعرابي ، و فريق قاس الشعر بمقياس الفن و الصنعة بغضّ النظر عن قدمه أو حداثته كابن قُتيبة في كتابَيْه « الشعر و الشعراء » و « أدب الكاتب » . أشهر الكتب النقدية في العصر العباسيّ هي «جمهرة أشعار العرب » لأبي زيد القرشي، « طبقات الشعراء » لابن سلّام الجمحي ، « الشعر و الشعراء » و « أدب الكاتب » لابن قتيبة و «الحيوان» و « البيان و التبيين » للجاحظ ، و «البديع » لابن المعتزّ .
إن أهمية النقد بالنسبة للأدب لا تقلّ عن أهمية الأمر بالمعروف و النهي عن المنكر بالنسبة للمجتمع فكما إنّ المجتمع إذا فقد الرقابة الاجتماعية يصاب بالتفكك و الفساد كذالك الأدب الذي يفتقد النقد الصحيح فإنّه سيهبط بمرور الزمن إلی الدرك الأسفل مِن الركاكة و الضعف و الانحطاط و هذا ما حدث بعد سقوط بغداد علی أيدي المغول و طوال عصر الانحطاط .
النقد الأدبيّ في العصر الحديث :
حملت النهضة الأدبيّة الحديثة اتجاهين : اتجاه كلاسيكي (محافظ ) دعا إلی إحياء التراث بكل تفاصيله حتی الوقوف علی الأطلال و رفض ما سواه و اتجاه مجدّد رفض التراث أن يكون له مكان في العصر الحديث لأنّه جزء مِن التاريخ ، و الأدب الحديث هو ما كان مستلهماً مِن الأدب الأوربي و مسايراً له .
أثّرت علی النقد الحديث عوامل متعدّدة أهمّها : العنصر الأدبيّ القديم و الحديث ، و العنصر الحضاريّ المتمثّل بالصراع بين حضارتَيْ الإسلام و الغرب و العنصر الذاتي و المزاجي و الأهواء و التيّارات السياسيّة و الإقليمية و أصبح النقد و الأدب قبله ألعوبة بيد السياسة و الأحزاب و التيّارات .
انقسم النقاد مِن حيث شكل ومحتوی النتاج الأدبيّ إلی ثلاث فئات :
أ: أنصار الشكل ، حيثُ اعتبروا أنّ قيمة الشعر تمكّن في حسن مظهره كالديباجة و اللفظ و القافية و الوزن و إحكام النسج و هو رأي قديم قال به الجاحظ قديماً و تبعه الناقد عبد العزيز البشري حديثاً .
ب : أنصار المحتوی ، حيثُ اعتبروا قيمة الشعر في معناه و ما الألفاظ و الأشكال الموسيقيّة إلّا خدم للمعنی . و أهمّ مَن قال بهذا الرأي هو العقّاد .
ج: أنصار الجمع بين المحتوی و الشكل ، حيثُ اعتبروا أنّ لكل مِن الشكل و المحتوی مكانه الذي لا يُستغنی عنه في الشعر و أشهر مَن دعا إلی ذلك هو طه حسين .
برگرفته از کتاب الوجيز في تاريخ الأدب العربي- جهاد دانشگاهی واحد تهران

